صديق الحسيني القنوجي البخاري
271
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار فقال : قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ أي من المؤمنين الذين يصلون للّه في الدنيا ولم نعتقد فرضيتها وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ أي لم نتصدق على المساكين ، وقيل وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة لأنه لا تعذيب على غير الواجب ، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات والفروع ، فقول صاحب الكشاف يحتمل أن يدخل بعضهم النار بمجموع ذلك وهو ترك الصلاة وترك الإطعام والخوض في الباطل مع الخائضين والتكذيب بيوم القيامة ، وبعضهم بمجرد ترك الصلاة أو ترك الطعام تخيل منه كما قال صاحب الانتصاف أن تارك الصلاة يخلد في النار . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ أي نخالط أهل الباطل في باطلهم ، قال قتادة كلما غوى غاو غوينا معه ، وقال السدي كنا نكذب مع المكذبين ، وقال ابن زيد نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو قولهم كاذب ساحر مجنون شاعر ، وعبارة الخطيب أي نشرع في الباطل مع الخائضين فنقول في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة وغير ذلك من الأباطيل ، لا نتورع عن شيء من ذلك ولا نقف مع صريح عقل ، ولا نرجع إلى صحيح نقل ، فمن هذا يحذر الذين يبادرون بالجواب في كل ما يسألون عنه من أنواع العلم من غير تثبت . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 46 إلى 56 ] وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ( 47 ) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ( 52 ) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 ) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ أي بيوم الجزاء والحساب آخره لتعظيمه وهذا تخصيص بعد تعميم ، لأن الخوض في الباطل عام شامل لتكذيب يوم الدين وغيره أي وكنا بعد ذلك مكذبين بيوم القيامة ، والصحيح أن الآية في الكفار أي لم نكن من أهل الصلاة وكذلك البقية ، ولا تصح منه هذه الطاعات وإنما يتأسفون على فوات ما ينفع ، ذكره سليمان الجمل . حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ [ المدثر : 47 ] وهو الموت كما في قوله : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] وبه قال ابن عباس ، وهذا غاية في الأمور الأربعة . فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ أي شفاعة الملائكة والنبيين كما تنفع الصالحين ، والمعنى لا شفاعة لهم ، قال الحفناوي فالنفي مسلط على المقيد وقيده وليس المراد أن ثم شفاعة غير نافعة كما يتوهم من ظاهر اللفظ من حيث إن الغالب في النفي إذا دخل